فخر الدين الرازي

174

النبوات وما يتعلق بها

كون الشخص انسانا موصوفا بالرسالة ، معناه : كونه كاملا في قوته النظرية والعملية ، وقادرا على معالجة الناقصين في هاتين القوتين . وليس من شرط حصول هذه الصفة ، كونه قادرا على الأحوال التي طلبتموها منى . ومن جملة الآيات الدالة على ما ذكرناه أيضا : أنه تعالى لما قال في سورة الشعراء : « 19 » « وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعالَمِينَ » أورد عليه سؤالا ، وهو انه : لم لا يجوز أن يكون هذا من تنزيل الشياطين ؟ فقال جوابا عنه : « وَما تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّياطِينُ » ثم بين الجواب ، فقال : « هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّياطِينُ ؟ تَنَزَّلُ عَلى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ » والمعنى : أنه ان كانت الدعوة إلى طلب الدنيا ، وطلب اللذات والشهوات ، كان ذلك الداعي أفاكا أثيما ، والذين يعينونه عليه هم الشياطين . وأما أنا فأدعو إلى اللّه ، وإلى الاعراض عن الدنيا ، والاقبال على الآخرة ، ولا يكون هذا [ بإعانة الشياطين « 20 » ] بل بإعانة اللّه تعالى . فاستدل بكون دعوته إلى اللّه تعالى وإلى الحق ، على كونه نبيا صادقا ، لا ساحرا خبيثا ، ولما أورد عليه سؤالا آخر ، وهو : أن لكل واحد من الشعراء شيطانا . يعينه على شعره ، فلم لا يجوز أن يكون حالك كذلك ؟ أجاب عنه بقوله : « وَالشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغاوُونَ أَ لَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وادٍ يَهِيمُونَ » والمعنى أن الشاعر أنما يدعو إلى الطمع في الدنيا ، وإلى الترغيب في اللذات البدنية ، وأما أنا فادعوا إلى اللّه تعالى وإلى الدار الآخرة . فامتنع أن يكون الناصر والمعين في هذه الطريقة : هو الشيطان . فظهر الفرق . وقد ظهر بهذه الآيات : أن الطريق الّذي ذكرناه في اثبات النبوة هو الطريق الأكمل الأفضل [ واللّه أعلم « 21 » ] .

--> ( 19 ) الشعراء 192 وما بعدها . ( 20 ) سقط ( ت ) . ( 21 ) من ( ل ، طا ) .